علي بن مهدي الطبري المامطيري
218
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
السلام عليك يا أمير المؤمنين ، قال : وعليك السلام يا أخا العرب ، من أين أقبلت ؟ فإنّي أرى السمائم قد أحرقت حماليق عينيك » . فقال : من بلد نجد ، وقوام زند ، وأصحاب نبل ، ومصاحبة فرقد ، من بلد عجعجت فيه الخيل ، وقلّ منه النيل ، وجثا فيه الفقر بكلكله ، فسرت على إرقال مطيّتي حتّى قدوني « 1 » من أبعد خطوطه ، من بعد ما كان من أحاصيب البلد وفتيان الجلد ، وركبان الخيل وجرّار ذيل ، فكان أوّل المصائب علينا أنّا خرجنا من بلدنا نطلب الشجرة ، ونستسقي الماء ، حتّى نزلنا بساحة وكان بيننا وبينهم هنات « 2 » متواهنات ، في أيّام خاليات ، فلمّا رأونا أتوا يجدّون « 3 » السير كعدد النمل ، فتقلّدنا الحجف « 4 » على كلّ شجاع أزفّ ، فما زالت المجادلة بيننا حتّى لم يبق منّا إلّا شرذمة قليلون ، والآن يا أمير المؤمنين ، نأيت عن السباسب ، وألجئت إلى شرّ المكاسب . فقال له أمير المؤمنين : كفيت يا أخا العرب ، فما حاجتك ؟ » فقال : ربيكة « 5 » سمن ، وبردان يمانيان وأربع مئة درهم ، فنادى جاريته : يا فضّة ، ناوليه صاع دقيق ، واصطبغيه ، ووسّعيه في السمن ، وقدّميه إلى الأعرابي » . ففعلت . فلمّا أن أكل قال : الحمد للّه ، فقال له : أشبعت يا أخا العرب ؟ » فقال : نعم لو حضرني الحمد « 6 » ، فقال له : يا أعرابي ، أيّما أحبّ إليك ، الفقر أو الغنى ؟ » قال : بل الغنى ، قال : فهل قلت في الفقر [ شيئا ؟ ] » فأنشده قوله : وقفت بباب الشّكّ حتّى استبان لي * وصحّ بأنّ الفقر ضرب من الكفر
--> ( 1 ) . هكذا في الأصل ، والظاهر أنّه قد صحّف ( قدومي ) ب ( قدوني ) ، والمراد ب ( خطوطه ) طرقه . ( 2 ) . هنات متواهنات ، أي : خصال شرّ مضعفات . ( 3 ) . في النسخة : بحرون . ( 4 ) . الحجف : ضرب من التّرسة ، واحدها حجفة ، وقيل هي من الجلود خاصّة . راجع : لسان العرب ، مادّة : ( حجف ) . ( 5 ) . دقيق وأقط يخلط بسمن . راجع : القاموس المحيط ، مادّة : ربك . ( 6 ) . هكذا في الأصل .